|
مصطفى محي الدين كريدية.. صفحة في كل كتاب :
لا تكفي بضعة سطور وعدة كلمات لتقدم نبذة عن حياة رجل ما زال عطاؤه الانساني والثقافي مستمراً الى ما بعد وفاته، مؤسس دار النهضة العربية للطباعة والنشر وصاحب رؤية عربية نهضوية ترجمها بإنجازته عبر سنين عمره الستين التي قضاها في خدمة الوطن والامة.
الأمم تبقى وتستمر ببقاء ثقافتها وعلومها وليس ابرز من الكتاب معياراً للحفاظ على الثقافة والهوية وانتقالها من جيل الى اخر، على هذا الصراط مشى المرحوم ابو محمد بثقة في رحلته الطويلة في علم الطباعة والنشروالتوزيع والعلوم.
ولد المرحوم مصطفى محي الدين كريدية في بيروت لعائلة عريقة ومحافظة في العام 1940، وبدأ مسيرته العملية في وزارة الاقتصاد الوطني، حيث عمل مستكتباً قبل ان ينتقل الى وزارة التصميم العام، في اوئل الستينات من القرن الماضي، اما مسيرته الطويلة في عالم الطباعة والنشر فقد بدأت في العام 1961 مع انطلاقة جامعة بيروت العربية، حين اسندت اليه إدارة المطبوعات، مع انطلاقة المحاضرات العائدة لكليتها في ذلك الوقت "الحقوق والتجارة والآداب".
في العام 1966 اسس المرحوم مصطفى كريدية "دار النهضة العربية للطباعة والنشر" التي كانت النقلة النوعية في عمله الثقافي، توسع نشاطها وتطور مع الوقت ، وانتقل مركزها في العام 1970 الى مبنى يقع غربي جامعة بيروت العربية، وكانت مستودعتها في مبنى ملاصق.
ومثل مسيرة كل رجال الوطن واصحاب العلم لم تخلو حياة المرحوم من الاوقات العصيبة ، حين احترقت محتويات مستودع "الدار" بالكامل في 1982 بفعل اجتياح العدو الاسرائيلي لمدينة بيروت.
لكن هذه الكارثة زادت الرجل تحدياً ليعيد بناء ما تهدم من الصفر، فحول رماد الكتب التي احترقت الى وسلة يقاوم بها العدو الذي احتل وطنه متخذاُ من رسالة العلم سلاحه، مع العام 1983 انتقلت إدارة دار النهضة العربية الى بناية كريدية في منطقة الزيدانية حيث المركز الذي تشغله حالياً، كما جُهزت مستودعات جديدة للدار، الذي انطلق من بيروت عبر إنتجاته وكتبه الى كافة جامعات العالم العربي، والى العديد من دور النشر في العالم العربي.
مع بداية التسعينات امتد نشاط الدار ايضاً الى دول شمال افريقيا، بدءاً من الجمهورية الجزائرية وصولاُ الى ليبيا، واستكمل نشاط الدار في كافة الدول العربية ، عبر طباعة الالاف من الكتب والمنشورات في كافة ميادين العلم والمعرفة ، من فلسفة وعلوم، وشريعة ولغة، بالأضافة الى الاعلام والاقتصاد والشعر والجفرفيا وغيرها من المجالات التي لا يمكن حصرها او تقييدها، ولم تقف الدار عند هذا الحد بل ايضا قدمت نماذج جديدة في الكتب الاكاديمية والتعليمية، قائمة على الاسلوب الحديثة في التعليم مركزةًاهتمامها على من يحتجون دعم إضافي من ذوي الحاجات الخاصة والتأخر العقلي، كما ان كتب الاطفال في مختلف مراحلهم العمرية لم تغفلها "دار أصالة" المتخصصة في منشورات الاطفال والتي اسست في العام 1998، والتي هي ايضاً من ثمار مصطفى محي الدين كريدية الذي توفي في 22 شباط 2000 ، بدون ان تنتهي مسيرته التي يتباعها بنفس الروح والايمان زوجته السيدة نبيلة جمّول وبناته الثلاث لينة، نسرين، وشيرين وابنه محمد.
من عرف ابو محمد رأى في الجل الهادء المتزن والذي رغم كل التحديات والصعاب قدم بنفسه نموذج الرجل الذي يفني ذاته ليضيء المجتمع من حوله ابتدأً من اسرته الصغيرة الى محيطه ومجتمعه وصولاً الى وطنه لبنان ووطنه الاكبر في العالم العربي، ومع كل كتاب جديد تنشره وتطبعه الدار، تتجلى صورة ذلك الشاب المبتسم الذي حلم بكتاب فعاش بين صفحاته
|